فصل: الآية رقم ‏(‏78‏)‏

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير القرطبي المسمى بـ «الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان» **


 الآية رقم ‏(‏78‏)‏

‏{‏ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون‏}‏

قوله تعالى‏{‏ومنهم أميون‏}‏ أي من اليهود‏.‏ وقيل‏:‏ من اليهود والمنافقين أميون، أي من لا يكتب ولا يقرأ، واحدهم أمي، منسوب إلى الأمة الأمية التي هي على أصل ولادة أمهاتها لم تتعلم الكتابة ولا قراءتها، ومنه قوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب‏)‏ الحديث‏.‏ وقد قيل لهم إنهم أميون لأنهم لم يصدقوا بأم الكتاب، عن ابن عباس‏.‏ وقال أبو عبيدة‏:‏ إنما قيل لهم أميون لنزول الكتاب عليهم، كأنهم نسبوا إلى أم الكتاب، فكأنه قال‏:‏ ومنهم أهل الكتاب لا يعلمون الكتاب‏.‏ عكرمة والضحاك‏:‏ هم نصارى العرب‏.‏ وقيل‏:‏ هم قوم من أهل الكتاب، رفع كتابهم لذنوب ارتكبوها فصاروا أميين‏.‏ علي رضي الله عنه‏:‏ هم المجوس‏.‏ قلت‏:‏ والقول الأول أظهر، والله اعلم‏.‏

قوله تعالى‏{‏لا يعلمون الكتاب إلا أماني‏}‏ ‏{‏إلا‏}‏ ههنا بمعنى لكن، فهو استثناء منقطع، كقوله تعالى‏{‏وما لهم به من علم إلا اتباع الظن‏}‏النساء‏:‏ 157‏]‏‏.‏ وقال النابغة‏:‏

حلفت يمينا غير ذي مثنوية ولا علم إلا حسن ظن بصاحب

وقرأ أبو جعفر وشيبة والأعرج ‏{‏إلا أماني‏}‏ خفيفة الياء، حذفوا إحدى الياءين استخفافا‏.‏ قال أبو حاتم‏:‏ كل ما جاء من هذا النحو واحده مشدد، فلك فيه التشديد والتخفيف، مثل أثافي وأغاني وأماني، ونحوه‏.‏ وقال الأخفش‏:‏ هذا كما يقال في جمع مفتاح‏:‏ مفاتيح ومفاتح، وهي ياء الجمع‏.‏ قال النحاس‏:‏ الحذف في المعتل أكثر، كما قال الشاعر‏:‏

وهل يرجع التسليم أو يكشف العمى ثلاث الأثافي والرسوم البلاقع

والأماني جمع أمنية وهي التلاوة، وأصلها أمنوية على وزن أفعولة، فأدغمت الواو في الياء فانكسرت النون من أجل الياء فصارت أمنية، ومنه قوله تعالى‏{‏إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته‏}‏الحج‏:‏ 52‏]‏ أي إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته‏.‏ وقال كعب بن مالك‏:‏

تمنى كتاب الله أول ليله وآخره لاقى حمام المقادر

وقال آخر‏:‏

تمنى كتاب الله آخر ليله تمني داود الزبور على رسل

والأماني أيضا الأكاذيب، ومنه قول عثمان رضي الله عنه‏:‏ ما تمنيت منذ أسلمت، أي ما كذبت‏.‏ وقول بعض العرب لابن دأب وهو يحدث‏:‏ أهذا شيء رويته أم شيء تمنيته‏؟‏ أي افتعلته‏.‏ وبهذا المعنى فسر ابن عباس ومجاهد ‏{‏أماني‏}‏ في الآية‏.‏ والأماني أيضا ما يتمناه الإنسان ويشتهيه‏.‏ قال قتادة‏{‏إلا أماني‏}‏ يعني انهم يتمنون على الله ما ليس لهم‏.‏ وقيل‏:‏ الأماني التقدير، يقال‏:‏ منى له أي قدر، قال الجوهري، وحكاه ابن بحر، وأنشد قول الشاعر‏:‏

لا تأمنن وإن أمسيت في حرم حتى تلاقي ما يمني لك الماني

أي يقدر لك المقدر‏.‏

قوله تعالى‏{‏وإن هم‏}‏ ‏{‏إن‏}‏ بمعنى ما النافية، كما قال تعالى‏{‏إن الكافرون إلا في غرور‏}‏الملك‏:‏ 20‏]‏‏.‏ قوله تعالى‏{‏إلا يظنون‏}‏ يكذبون ويحدثون، لأنهم لا علم لهم بصحة ما يتلون، وإنما هم مقلدون لأحبارهم فيما يقرؤون به‏.‏ قال أبو بكر الأنباري‏:‏ وقد حدثنا أحمد بن يحيى النحوي أن العرب تجعل الظن علما وشكا وكذبا، وقال‏:‏ إذا قامت براهين العلم فكانت أكثر من براهين الشك فالظن يقين، وإذا اعتدلت براهين اليقين وبراهين الشك فالظن شك، وإذا زادت براهين الشك على براهين اليقين فالظن كذب، قال الله عز وجل ‏{‏وإن هم إلا يظنون‏}‏ أراد إلا يكذبون‏.‏

 الآية رقم ‏(‏79‏)‏

‏{‏فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون‏}‏

قوله تعالى‏{‏فويل‏{‏ ‏{‏فويل‏{‏ اختلف في الويل ما هو، فروى عثمان بن عفان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جبل من نار‏.‏ و روى أبو سعيد الخدري أن الويل واد في جهنم بين جبلين يهوي فيه الهاوي أربعين خريفا‏.‏ و روى سفيان وعطاء بن يسار‏:‏ أن الويل في هذه الآية واد يجري بفناء جهنم من صديد أهل النار‏.‏ وقيل‏:‏ صهريج في جهنم‏.‏ وحكى الزهراوي عن آخرين‏:‏ أنه باب من أبواب جهنم‏.‏ وعن ابن عباس‏:‏ الويل المشقة من العذاب‏.‏ وقال الخليل‏:‏ الويل شدة الشر‏.‏ الأصمعي‏:‏ الويل تفجع وترحم‏.‏ سيبويه‏:‏ ويل لمن وقع في الهلكة، وويح زجر لمن أشرف على الهلكة‏.‏ ابن عرفة‏:‏ الويل الحزن‏:‏ يقال‏:‏ تويل الرجل إذا دعا بالويل، وإنما يقال ذلك عند الحزن والمكروه، ومنه قوله‏{‏فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم‏}‏البقرة‏:‏ 79‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ أصله الهلكة، وكل من وقع في هلكة دعا بالويل، ومنه قوله تعالى‏{‏يا ويلتنا مال هذا الكتاب‏}‏الكهف‏:‏ 49‏]‏‏.‏ وهي الويل والويلة، وهما الهلكة، والجمع الويلات، قال‏:‏

له الويل إن أمسى ولا أم هاشم

وقال أيضا‏:‏

فقالت لك الويلات إنك مرجلي

وارتفع ‏{‏ويل‏}‏ بالابتداء، وجاز الابتداء به وإن كان نكرة لأن فيه معنى الدعاء‏.‏ قال الأخفش‏:‏ ويجوز النصب على إضمار فعل، أي ألزمهم الله ويلا‏.‏ وقال الفراء‏:‏ الأصل في الويل ‏{‏وي‏}‏ أي حزن، كما تقول‏:‏ ويل لفلان، أي حزن له، فوصلته العرب باللام وقدروها منه فأعربوها‏.‏ والأحسن فيه إذا فصل عن الإضافة الرفع، لأنه يقتضي الوقوع‏.‏ ويصح النصب على معنى الدعاء، كما ذكرنا‏.‏

قال الخليل‏:‏ ولم يسمع على بنائه إلا ويح وويس وويه وويك وويل وويب، وكله يتقارب في المعنى‏.‏ وقد فرق بينها قوم، وهي مصادر لم تنطلق العرب منها بفعل‏.‏ قال الجرمي‏:‏ ومما ينتصب انتصاب المصادر ويله وعوله وويحه وويسه، فإذا أدخلت اللام رفعت فقلت‏:‏ ويل له، وويح له‏.‏

قوله تعالى‏{‏للذين يكتبون الكتاب‏}‏ الكتابة معروفة‏.‏ وأول من كتب بالقلم وخط به إدريس عليه السلام، وجاء ذلك في حديث أبي ذر، خرجه الآجري وغيره‏.‏ وقد قيل‏:‏ إن آدم عليه السلام أعطي الخط فصار وراثة في ولده‏.‏

قوله تعالى‏{‏بأيديهم‏}‏ تأكيد، فإنه قد علم أن الكتب لا يكون إلا باليد، فهو مثل قوله‏{‏ولا طائر يطير بجناحيه‏}‏الأنعام‏:‏ 38‏]‏، وقوله‏{‏يقولون بأفواههم ‏}‏آل عمران‏:‏ 167‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ فائدة ‏{‏بأيديهم‏}‏ بيان لجرمهم وإثبات لمجاهرتهم، فإن من تولى الفعل أشد مواقعة ممن لم يتوله وإن كان رأيا له وقال ابن السراج‏{‏بأيديهم‏}‏ كناية عن أنهم من تلقائهم دون أن ينزل عليهم، وإن لم تكن حقيقة في كتب أيديهم‏.‏

في هذه الآية والتي قبلها التحذير من التبديل والتغيير والزيادة في الشرع، فكل من بدل وغير أو ابتدع في دين الله ما ليس منه ولا يجوز فيه فهو داخل تحت هذا الوعيد الشديد، والعذاب الأليم، وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته لما قد علم ما يكون في آخر الزمان فقال‏:‏ ‏(‏ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة‏)‏ الحديث، وسيأتي‏.‏ فحذرهم أن يحدثوا من تلقاء أنفسهم في الدين خلاف كتاب الله أو سنته أو سنة أصحابه فيضلوا به الناس، وقد وقع ما حذره وشاع، وكثر وذاع، فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏

قال علماؤنا رحمة الله عليهم‏:‏ نعت الله تعالى أحبارهم بأنهم يبدلون ويحرفون فقال وقوله الحق‏{‏فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم‏}‏البقرة‏:‏ 79‏]‏ الآية‏.‏ وذلك أنه لما درس الأمر فيهم، وساءت رعية علمائهم، وأقبلوا على الدنيا حرصا وطمعا، طلبوا أشياء تصرف وجوه الناس إليهم، فأحدثوا في شريعتهم وبدلوها، وألحقوا ذلك بالتوراة، وقالوا لسفهائهم هذا من عند الله، ليقبلوها عنهم فتتأكد رياستهم وينالوا به حطام الدنيا وأوساخها‏.‏ وكان مما أحدثوا فيه أن قالوا‏:‏ ليس علينا في الأميين سبيل، وهم العرب، أي ما أخذنا من أموالهم فهو حل لنا‏.‏ وكان مما أحدثوا فيه أن قالوا‏:‏ لا يضرنا ذنب، فنحن أحباؤه وأبناؤه، تعالى الله عن ذلك‏!‏ وإنما كان في التوراة‏(‏‏(‏ يا أحباري ويا أبناء رسلي‏)‏‏)‏ فغيروه وكتبوا ‏(‏‏(‏يا أحبائي ويا أبنائي‏)‏‏)‏ فأنزل الله تكذيبهم‏{‏وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم‏}‏المائدة‏:‏ 18‏]‏‏.‏ فقالت‏:‏ لن يعذبنا الله، وإن عذبنا فأربعين يوما مقدار أيام العجل، فأنزل الله تعالى‏{‏وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا‏}‏البقرة‏:‏ 80‏]‏ قال ابن مقسم‏:‏ يعني توحيدا، بدليل قوله تعالى‏{‏إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا‏}‏ مريم‏:‏ 87‏]‏ يعني لا إله إلا الله ‏{‏فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون‏}‏البقرة‏:‏ 80‏]‏ ثم أكذبهم فقال‏{‏بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون‏.‏ والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون‏}‏البقرة‏:‏ 81 - 82‏]‏‏.‏ فبين تعالى أن الخلود في النار والجنة إنما هو بحسب الكفر والإيمان، لا بما قالوه‏.‏

قوله تعالى‏{‏ليشتروا به ثمنا قليلا‏{‏ وصف الله تعالى ما يأخذونه بالقلة، إما لفنائه وعدم ثباته، وإما لكونه حراما، لأن الحرام لا بركة فيه ولا يربو عند الله‏.‏ قال ابن إسحاق والكلبي‏:‏ كانت صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابهم ربعة أسمر، فجعلوه آدم سبطا طويلا، وقالوا لأصحابهم وأتباعهم‏:‏ انظروا إلى صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي يبعث في آخر الزمان ليس يشبهه نعت هذا، وكانت للأحبار والعلماء رياسة ومكاسب، فخافوا إن بينوا أن تذهب مآكلهم ورياستهم، فمن ثم غيروا‏.‏

قوله تعالى‏{‏فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون‏{‏ قيل من المآكل‏.‏ وقيل من المعاصي‏.‏ وكرر الويل تغليظا لفعلهم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏80‏)‏

‏{‏وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون‏}‏

قوله تعالى‏{‏وقالوا‏{‏ يعني اليهود‏.‏ ‏{‏لن تمسنا النار إلا أياما معدودة‏{‏ اختلف، في سبب نزولها، فقيل‏:‏ إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لليهود‏:‏ ‏(‏من أهل النار‏)‏‏.‏ قالوا‏:‏ نحن، ثم تخلفونا أنتم‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏كذبتم لقد علمتم أنا لا نخلفكم‏)‏ فنزلت هذه الآية، قال ابن زيد‏.‏ وقال عكرمة عن ابن عباس‏:‏ قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة واليهود تقول‏:‏ إنما هذه الدنيا سبعة آلاف، وإنما يعذب الناس في النار لكل ألف سنة من أيام الدنيا يوم واحد في النار من أيام الآخرة، وإنما هي سبعة أيام، فأنزل الله الآية، وهذا قول مجاهد‏.‏ وقالت طائفة‏:‏ قالت اليهود إن في التوراة أن جهنم مسيرة أربعين سنة، وأنهم يقطعون في كل يوم سنة حتى يكملوها وتذهب جهنم‏.‏ ورواه الضحاك عن ابن عباس‏.‏ وعن ابن عباس‏:‏ زعم اليهود أنهم وجدوا في التوراة مكتوبا أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم‏.‏ وقالوا‏:‏ إنما نعذب حتى ننتهي إلى شجرة الزقوم فتذهب جهنم وتهلك‏.‏ وعن ابن عباس أيضا وقتادة‏:‏ أن اليهود قالت إن الله أقسم أن يدخلهم النار أربعين يوما عدد عبادتهم العجل، فأكذبهم الله، كما تقدم‏.‏

في هذه الآية رد على أبي حنيفة وأصحابه حيث استدلوا بقوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏دعي الصلاة أيام أقرائك‏)‏ في أن مدة الحيض ما يسمى أيام الحيض، وأقلها ثلاثة وأكثرها عشرة، قالوا‏:‏ لأن ما دون الثلاثة يسمى يوما ويومين، وما زاد على العشرة يقال فيه أحد عشر يوما ولا يقال فيه أيام، وإنما يقال أيام من الثلاثة إلى العشرة، قال الله تعالى‏{‏فصيام ثلاثة أيام في الحج‏}‏البقرة‏.‏ 196‏]‏، ‏{‏تمتعوا في داركم ثلاثة أيام‏}‏هود‏:‏ 65‏]‏، ‏{‏سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما‏}‏هود‏:‏ 7‏]‏‏.‏

فيقال لهم‏:‏ فقد قال الله تعالى في الصوم‏{‏أياما معدودات‏}‏ يعني جميع الشهر، وقال‏{‏لن تمسنا النار إلا أياما معدودات‏}‏آل عمران‏:‏ 24‏]‏ يعني أربعين يوما‏.‏ وأيضا فإذا أضيفت الأيام إلى عارض لم يرد به تحديد العدد، بل يقال‏:‏ أيام مشيك وسفرك وإقامتك، وإن كان ثلاثين وعشرين وما شئت من العدد، ولعله أراد ما كان معتادا لها، والعادة ست أو سبع، فخرج عليه، والله اعلم‏.‏

قوله تعالى‏{‏قل أتخذتم‏{‏ تقدم القول في ‏{‏اتخذ‏{‏ فلا معنى لإعادته‏.‏

قوله تعالى‏{‏عند الله عهدا‏{‏ أي أسلفتم عملا صالحا فآمنتم وأطعتم فتستوجبون بذلك الخروج من النار‏!‏ أو هل عرفتم ذلك بوحيه الذي عهده إليكم‏.‏ قوله تعالى‏{‏فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون توبيخ وتقريع‏.‏

 الآية رقم ‏(‏81‏)‏

‏{‏بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون‏}‏

قوله تعالى‏{‏بلى‏{‏ أي ليس الأمر كما ذكرتم‏.‏ قال سيبويه‏:‏ ليس ‏{‏بلى‏{‏ و‏{‏نعم‏{‏ اسمين‏.‏ وإنما هما حرفان مثل ‏{‏بل‏{‏ وغيره، وهي رد لقولهم‏:‏ إن تمسنا النار‏.‏ وقال الكوفيون‏:‏ أصلها بل التي للإضراب عن الأول، زيدت عليها الياء ليحسن الوقف، وضمنت الياء معنى الإيجاب والإنعام‏.‏ فـ ‏{‏بل‏{‏ تدل على رد الجحد، والياء تدل على الإيجاب لما بعد‏.‏ قالوا‏:‏ ولو قال قائل‏:‏ ألم تأخذ دينارا‏؟‏ فقلت‏:‏ نعم، لكان المعنى لا، لم آخذ، لأنك حققت النفي وما بعده‏.‏ فإذا قلت‏:‏ بلى، صار المعنى قد أخذت‏.‏ قال الفراء‏:‏ إذا قال الرجل لصاحبه‏:‏ ما لك علي شيء، فقال الآخر‏:‏ نعم، كان ذلك تصديقا، لأن لا شيء له عليه، ولو قال‏:‏ بلى، كان ردا لقوله، وتقديره‏:‏ بلى لي عليك‏.‏ وفي التنزيل ‏{‏ألست بربكم قالوا بلى‏}‏الأعراف‏:‏ 172‏]‏ ولو قالوا نعم لكفروا‏.‏

قوله تعالى‏{‏سيئة‏{‏ السيئة الشرك‏.‏ قال ابن جريج قلت لعطاء‏{‏من كسب سيئة‏{‏‏؟‏ قال‏:‏ الشرك، وتلا ‏{‏ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار‏{‏‏.‏ وكذا قال الحسن وقتادة، قالا‏:‏ والخطيئة الكبيرة‏.‏

لما قال تعالى‏{‏بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته‏{‏ دل على أن المعلق على شرطين لا يتم بأقلهما، ومثله قوله تعالى‏{‏إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا‏}‏فصلت‏:‏ 30‏]‏، وقوله عليه السلام لسفيان بن عبدالله الثقفي وقد قال له‏:‏ يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏قل آمنت بالله ثم استقم‏)‏‏.‏ ‏"‏رواه مسلم‏.‏‏"‏ وقد مضى القول في هذا المعنى وما للعلماء فيه عند قوله تعالى لآدم وحواء‏{‏ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين‏}‏البقرة‏:‏ 35‏]‏‏.‏ وقرأ نافع ‏{‏خطيئاته‏}‏ بالجمع، الباقون بالإفراد، والمعنى الكثرة، مثل قوله تعالى‏{‏وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏82‏)‏

‏{‏والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون‏}‏

فسرت هذه الآية في موضع قبل هذا‏.‏

 الآية رقم ‏(‏83‏)‏

‏{‏ وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون‏}‏

قوله تعالى‏{‏وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل‏}‏ تقدم الكلام في بيان هذه الألفاظ‏.‏ واختلف في الميثاق هنا، فقال مكي‏:‏ هو الميثاق الذي أخذ عليهم حين أخرجوا من صلب آدم كالذر‏.‏ وقيل‏:‏ هو ميثاق أخذ عليهم وهم عقلاء في حياتهم على ألسنة أنبيائهم‏.‏

قوله تعالى‏{‏لا تعبدون إلا الله‏}‏ وعبادة الله إثبات توحيده، وتصديق رسله، والعمل بما أنزل في كتبه‏.‏ ‏{‏لا تعبدون‏}‏ قال سيبويه‏{‏لا تعبدون‏}‏ متعلق بقسم، والمعنى وإذ استخلفناهم والله لا تعبدون، وأجازه المبرد والكسائي والفراء‏.‏ وقرأ أبي وابن مسعود ‏{‏لا تعبدوا‏}‏ على النهي، ولهذا وصل الكلام بالأمر فقال‏{‏وقوموا، وقولوا، وأقيموا، وآتوا‏}‏‏.‏ وقيل‏:‏ هو في موضع الحال، أي أخذنا ميثاقهم موحدين، أو غير معاندين، قاله قطرب والمبرد أيضا‏.‏ وهذا إنما يتجه على قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي ‏{‏يعبدون‏}‏ بالياء من أسفل‏.‏ وقال الفراء والزجاج وجماعة‏:‏ المعنى أخذنا ميثاقهم بألا يعبدوا إلا الله، وبأن يحسنوا للوالدين، وبألا يسفكوا الدماء، ثم حذفت أن والباء فارتفع الفعل لزوالهما، كقوله تعالى‏{‏أفغير الله تأمروني‏}‏‏.‏ قال المبرد‏:‏ هذا خطأ، لأن كل ما أضمر في العربية فهو يعمل عمله مظهرا، تقول‏:‏ وبلد قطعت، أي رب بلد‏.‏

قلت‏:‏ ليس هذا بخطأ، بل هما وجهان صحيحان وعليهما أنشد سيبويه‏:‏

ألا أيها ذا الزاجري أحْضر الوغى وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي

بالنصب والرفع، فالنصب على إضمار أن، والرفع على حذفها‏.‏

قوله تعالى‏{‏وبالوالدين إحسانا‏{‏ أي وأمرناهم بالوالدين إحسانا‏.‏ وقرن الله عز وجل في هذه الآية حق الوالدين بالتوحيد، لأن النشأة الأولى من عند الله، والنشء الثاني - وهو التربية - من جهة الوالدين، ولهذا قرن تعالى الشكر لهما بشكره فقال‏{‏أن اشكر لي ولوالديك‏}‏لقمان‏:‏ 14‏]‏‏.‏ والإحسان إلى الوالدين‏:‏ معاشرتهما بالمعروف، والتواضع لهما، وامتثال أمرهما، والدعاء بالمغفرة بعد مماتهما، وصلة أهل ودهما، على ما يأتي بيانه مفصلا في ‏{‏الإسراء‏}‏ إن شاء الله تعالى‏.‏

قوله تعالى‏{‏وذي القربى‏}‏ عطف ذي القربى على الوالدين‏.‏ والقربى‏:‏ بمعنى القرابة، وهو مصدر كالرجعى والعقبى، أي وأمرناهم بالإحسان إلى القرابات بصلة أرحامهم‏.‏ وسيأتي بيان هذا مفصلا في سورة ‏{‏القتال‏}‏ إن شاء الله تعالى‏.‏

قوله تعالى‏{‏واليتامى‏{‏ اليتامى عطف أيضا، وهو جمع يتيم، مثل ندمى جمع نديم‏.‏ واليتم في بني آدم بفقد الأب، وفي البهائم بفقد الأم‏.‏ وحكى الماوردي أن اليتيم يقال في بني آدم في فقد الأم، والأول المعروف‏.‏ وأصله الانفراد، يقال‏:‏ صبي يتيم، أي منفرد من أبيه‏.‏ وبيت يتيم‏:‏ أي ليس قبله ولا بعده شيء من الشعر‏.‏ ودرة يتيمة‏:‏ ليس لها نظير‏.‏ وقيل‏:‏ أصله الإبطاء، فسمي به اليتيم، لأن البر يبطئ عنه‏.‏ ويقال‏:‏ يتم ييتم يتما، مثل عظم يعظم‏.‏ ويتم ييتم يتْما ويتَما، مثل سمع يسمع، ذكر الوجهين الفراء‏.‏ وقد أيتمه الله‏.‏ ويدل هذا على الرأفة باليتيم والحض على كفالته وحفظ ماله، على ما يأتي بيانه في ‏{‏النساء‏}‏‏.‏ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة‏)‏‏.‏ وأشار مالك بالسبابة والوسطى،‏"‏ رواه أبو هريرة وأخرجه مسلم‏"‏‏.‏ وخرج الإمام الحافظ أبو محمد عبدالغني بن سعيد من حديث الحسن بن دينار أبي سعيد البصري وهو الحسن بن واصل قال حدثنا الأسود بن عبدالرحمن عن هِصّان عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏ما قعد يتيم مع قوم على قصعتهم فيقرب قصعتهم الشيطان‏)‏‏.‏ وخرج أيضا من حديث حسين بن قيس وهو أبو علي الرحبي عن عكرمة عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من ضم يتيما من بين مسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يغنيه الله عز وجل غفرت له ذنوبه البتة إلا أن يعمل عملا لا يغفر ومن أذهب الله كريمتيه فصبر واحتسب غفرت له ذنوبه - قالوا‏:‏ وما كريمتاه‏؟‏ قال‏:‏ - عيناه ومن كان له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات فأنفق عليهن وأحسن إليهن حتى يبن أو يمتن غفرت له ذنوبه البتة إلا أن يعمل عملا لا يغفر‏)‏ فناداه رجل من الأعراب ممن هاجر فقال‏:‏ يا رسول الله أو اثنتين‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أو اثنتين‏)‏‏.‏ فكان ابن عباس إذا حدث بهذا الحديث قال‏:‏ هذا والله من غرائب الحديث وغرره‏.‏

السبابة من الأصابع هي التي تلي الإبهام، وكانت في الجاهلية تدعى بالسبابة، لأنهم كانوا يسبون بها، فلما جاء الله بالإسلام كرهوا هذا الاسم فسموها المشيرة، لأنهم كانوا يشيرون بها إلى الله في التوحيد‏.‏ وتسمى أيضا بالسباحة، جاء تسميتها بذلك في حديث وائل بن حجر وغيره، ولكن اللغة سارت بما كانت تعرفه في الجاهلية فغلبت‏.‏ وروي عن أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المشيرة منها كانت أطول من الوسطى، ثم الوسطى أقصر منها، ثم البنصر أقصر من الوسطى‏.‏ روى يزيد بن هارون قال‏:‏ أخبرنا عبدالله بن مقسم الطائفي قال حدثتني عمتي سارة بنت مقسم أنها سمعت ميمونة بنت كردم قالت‏:‏ خرجت في حجة حجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته وسأله أبي عن أشياء، فلقد رأيتني أتعجب وأنا جارية من طول أصبعه التي تلي الإبهام على سائر أصابعه‏.‏ فقوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏أنا وهو كهاتين في الجنة‏)‏، وقوله في الحديث الآخر‏:‏ ‏(‏أحشر أنا وأبو بكر وعمر يوم القيامة هكذا‏)‏ وأشار بأصابعه الثلاث، فإنما أراد ذكر المنازل والإشراف على الخلق فقال‏:‏ نحشر هكذا ونحن مشرفون وكذا كافل اليتيم تكون منزلته رفيعة‏.‏ فمن لم يعرف شأن أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى حمل تأويل الحديث على الانضمام والاقتراب بعضهم من بعض في محل القربة‏.‏ وهذا معنى بعيد، لأن منازل الرسل والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين مراتب متباينة، ومنازل مختلفة‏.‏

قوله تعالى‏{‏والمساكين‏}‏ ‏{‏المساكين‏}‏ عطف أيضا أي وأمرناهم بالإحسان إلى المساكين، وهم الذين أسكنتهم الحاجة وأذلتهم‏.‏ وهذا يتضمن الحض على الصدقة والمؤاساة وتفقد أحوال المساكين والضعفاء‏.‏ ‏"‏روى مسلم عن أبي هريرة ‏"‏عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله - وأحسبه قال - وكالقائم لا يفتر وكالصائم لا يفطر‏)‏‏.‏ قال ابن المنذر‏:‏ وكان طاوس يرى السعي على الأخوات أفضل من الجهاد في سبيل الله‏.‏

قوله تعالى‏{‏وقولوا للناس حسنا‏}‏ ‏{‏حسنا‏}‏ نصب على المصدر على المعنى، لأن المعنى ليحسن قولكم‏.‏ وقيل‏:‏ التقدير وقولوا للناس قولا ذا حسن، فهو مصدر لا على المعنى‏.‏ وقرأ حمزة والكسائي ‏{‏حسنا‏}‏ بفتح الحاء والسين‏.‏ قال الأخفش‏:‏ هما بمعنى واحد، مثل البُخل والبَخل، والرشد والرشد‏.‏ وحكى الأخفش‏{‏حسنى‏}‏ بغير تنوين على فعلى‏.‏ قال النحاس وهذا لا يجوز في العربية، لا يقال من هذا شيء إلا بالألف واللام، نحو الفضلى والكبرى والحسنى، هذا قول سيبويه وقرأ عيسى بن عمر ‏{‏حسنا‏}‏ بضمتين، مثل ‏{‏الحلم‏}‏‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ المعنى قولوا لهم لا إله إلا الله ومروهم بها‏.‏ ابن جريج‏:‏ قولوا للناس صدقا في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ولا تغيروا نعته‏.‏ سفيان الثوري‏:‏ مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر‏.‏ أبو العالية‏:‏ قولوا لهم الطيب من القول، وجازوهم بأحسن ما تحبون أن تجازوا به‏.‏ وهذا كله حض على مكارم الأخلاق، فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس لينا ووجهه منبسطا طلقا مع البر والفاجر، والسني والمبتدع، من غير مداهنة، ومن غير أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يرضي مذهبه، لأن الله تعالى قال لموسى وهارون‏{‏فقولا له قولا لينا‏}‏طه‏:‏ 44‏]‏‏.‏ فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون، والفاجر ليس بأخبث من فرعون، وقد أمرهما الله تعالى باللين معه‏.‏ وقال طلحة بن عمر‏:‏ قلت لعطاء إنك رجل يجتمع عندك ناس ذوو أهواء مختلفة، وأنا رجل في حدة فأقول لهم بعض القول الغليظ، فقال‏:‏ لا تفعل‏!‏ يقول الله تعالى‏{‏وقولوا للناس حسنا‏}‏‏.‏ فدخل في هذه الآية اليهود والنصارى فكيف بالحنيفي‏؟‏‏؟‏‏.‏ وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعائشة‏:‏ ‏(‏لا تكوني فحاشة فإن الفحش لو كان رجلا لكان رجل سوء‏)‏‏.‏ وقيل‏:‏ أراد بالناس محمدا صلى الله عليه وسلم، كقوله‏{‏أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله‏}‏النساء‏:‏ 54‏]‏‏.‏ فكأنه قال‏:‏ قولوا للنبي صلى الله عليه وسلم حسنا‏.‏ وحكى المهدوي عن قتادة أن قوله‏{‏وقولوا للناس حسنا‏}‏ منسوخ بآية السيف‏.‏ وحكاه أبو نصر عبدالرحيم عن ابن عباس‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ نزلت هذه الآية في الابتداء ثم نسختها آية السيف‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ وهذا يدل على أن هذه الأمة خوطبت بمثل هذا اللفظ في صدر الإسلام، وأما الخبر عن بني إسرائيل وما أمروا به فلا نسخ فيه، والله اعلم‏.‏

قوله تعالى‏{‏وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة‏}‏ تقدم القول فيه‏.‏ والخطاب لبني إسرائيل‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ وزكاتهم هي التي كانوا يضعونها فتنزل النار على ما يتقبل، ولا تنزل على ما لم يتقبل، ولم تكن كزكاة أمة محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏

قلت‏:‏ وهذا يحتاج إلى نقل، كما ثبت ذلك في الغنائم‏.‏ وقد روي عن ابن عباس أنه قال‏:‏ الزكاة التي أمروا بها طاعة الله والإخلاص‏.‏

قوله تعالى‏{‏ثم توليتم‏}‏ الخطاب لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم، وأسند إليهم تولي أسلافهم إذ هم كلهم بتلك السبيل في إعراضهم عن الحق مثلهم، كما قال‏{‏شنشنة أعرفها من أخزم‏}‏‏.‏ ‏{‏إلا قليلا منكم‏}‏ كعبدالله بن سلام وأصحابه‏.‏ و‏{‏قليلا‏}‏ نصب على الاستثناء، والمستثنى عند سيبويه منصوب، لأنه مشبه بالمفعول‏.‏ وقال محمد بن يزيد‏:‏ هو مفعول على الحقيقة، المعنى استثنيت قليلا‏.‏ ‏{‏وأنتم معرضون‏}‏ ابتداء وخبر‏.‏ والإعراض والتولي بمعنى واحد، مخالف بينهما في اللفظ‏.‏ وقيل‏:‏ التولي فيه بالجسم، والإعراض بالقلب‏.‏ قال المهدوي‏{‏وأنتم معرضون‏}‏ حال، لأن التولي فيه دلالة على الإعراض‏.‏

 الآية رقم ‏(‏84‏)‏

‏{‏وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون ‏}‏

قوله تعالى‏{‏وإذ أخذنا ميثاقكم‏}‏ تقدم القول فيه‏.‏ ‏{‏لا تسفكون دماءكم‏}‏ المراد بنو إسرائيل، ودخل فيه بالمعنى من بعدهم‏.‏ ‏{‏لا تسفكون دماءكم‏}‏ مثل ‏{‏لا تعبدون‏}‏البقرة‏:‏ 83‏]‏ في الإعراب‏.‏ وقرأ طلحة بن مصرف وشعيب بن أبي حمزة بضم الفاء، وهي لغة، وأبو نهيك ‏{‏تسفكون‏}‏ بضم التاء وتشديد الفاء وفتح السين‏.‏ والسفك‏:‏ الصب‏.‏

فإن قيل‏:‏ وهل يسفك أحد دمه ويخرج نفسه من داره‏؟‏ قيل له‏:‏ لما كانت ملتهم واحدة وأمرهم واحد وكانوا في الأمم كالشخص الواحد جعل قتل بعضهم بعضا وإخراج بعضهم بعضا قتلا لأنفسهم ونفيا لها‏.‏ وقيل‏:‏ المراد القصاص، أي لا يقتل أحد فيقتل قصاصا، فكأنه سفك دمه‏.‏ وكذلك لا يزني ولا يرتد، فإن ذلك يبيح الدم‏.‏ ولا يفسد فينفى، فيكون قد أخرج نفسه من دياره‏.‏ وهذا تأويل فيه بعد وإن كان صحيح المعنى‏.‏

وإنما كان الأمر أن الله تعالى قد أخذ على بني إسرائيل في التوراة ميثاقا ألا يقتل بعضهم بعضا، ولا ينفيه ولا يسترقه، ولا يدعه يسرق، إلى غير ذلك من الطاعات‏.‏

قلت‏:‏ وهذا كله محرم علينا، وقد وقع ذلك كله بالفتن فينا، فإنا لله وإنا إليه راجعون‏!‏ وفي التنزيل‏{‏أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض‏}‏الأنعام‏:‏ 65‏]‏ وسيأتي‏.‏ قال ابن خويز منداد‏:‏ وقد يجوز أن يراد به الظاهر، لا يقتل الإنسان نفسه، ولا يخرج من داره سفها، كما تقتل الهند أنفسها‏.‏ أو يقتل الإنسان نفسه من جهد وبلاء يصيبه، أو يهيم في الصحراء ولا يأوي البيوت جهلا في ديانته وسفها في حلمه، فهو عموم في جميع ذلك‏.‏ وقد روي أن عثمان بن مظعون بايع في عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فعزموا أن يلبسوا المسوح، وأن يهيموا في الصحراء ولا يأووا البيوت، ولا يأكلوا اللحم ولا يغشوا النساء، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فجاء إلى دار عثمان بن مظعون فلم يجده، فقال لامرأته‏:‏ ‏(‏ما حديث بلغني عن عثمان‏)‏‏؟‏ وكرهت أن تفشي سر زوجها، وأن تكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت‏:‏ يا رسول الله، إن كان قد بلغك شيء فهو كما بلغك، فقال‏:‏ ‏(‏قولي لعثمان أخلاف لسنتي أم على غير ملتي، إني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأغشى النساء وآوي البيوت وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس مني‏)‏ فرجع عثمان وأصحابه عما كانوا عليه‏.‏

قوله تعالى‏{‏ولا تخرجون‏}‏ معطوف‏.‏ قوله تعالى‏{‏أنفسكم‏}‏ النفس مأخوذة من النفاسة، فنفس الإنسان أشرف ما فيه‏.‏ قوله تعالى‏{‏من دياركم‏}‏ والدار‏:‏ المنزل الذي فيه أبنية المقام بخلاف منزل الارتحال‏.‏ وقال الخليل‏:‏ كل موضع حله قوم فهو دار لهم وإن لم تكن فيه أبنية‏.‏ وقيل‏:‏ سميت دارا لدورها على سكانها، كما سمي الحائط حائطا لإحاطته على ما يحويه‏.‏

قوله تعالى‏{‏ثم أقررتم‏}‏ من الإقرار، أي بهذا الميثاق الذي أخذ عليكم وعلى أوائلكم‏.‏ قوله تعالى‏{‏وأنتم تشهدون‏}‏ من الشهادة، أي شهداء بقلوبكم على هذا وقيل‏:‏ الشهادة بمعنى الحضور، أي تحضرون سفك دمائكم، وإخراج أنفسكم من دياركم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏85 ‏:‏86‏)‏

‏{‏ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون ‏}‏

قوله تعالى ‏{‏ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم‏.‏ ‏.‏‏.‏‏}‏

قوله تعالى‏{‏ثم أنتم هؤلاء‏}‏ ‏{‏أنتم‏}‏ في موضع رفع بالابتداء، ولا يعرب، لأنه مضمر‏.‏ وضمت التاء من ‏{‏أنتم‏}‏ لأنها كانت مفتوحة إذا خاطبت واحدا مذكرا، ومكسورة إذا خاطبت واحدة مؤنثة، فلما ثنيت أو جمعت لم يبق إلا الضمة‏.‏ قوله تعالى‏{‏هؤلاء‏{‏ قال القتبي‏:‏ التقدير يا هؤلاء‏.‏ قال النحاس‏:‏ هذا خطأ على قول سيبويه، ولا يجوز هذا أقبل‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ هؤلاء بمعنى الذين‏.‏ قوله تعالى‏{‏تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم‏}‏ داخل في الصلة، أي ثم أنتم الذين تقتلون‏.‏ وقيل‏{‏هؤلاء‏}‏ رفع بالابتداء، و‏{‏أنتم‏}‏ خبر مقدم، و‏{‏تقتلون‏}‏ حال من أولاء‏.‏ وقيل‏{‏هؤلاء‏}‏ نصب بإضمار أعني‏.‏ وقرأ الزهري ‏{‏تقتلون‏}‏ بضم التاء مشددا، وكذلك ‏{‏فلم تقتلون أنبياء الله‏}‏البقرة‏:‏ 91‏]‏‏.‏ وهذه الآية خطاب للمواجهين لا يحتمل رده إلى الأسلاف‏.‏ نزلت في بني قينقاع وقريظة والنضير من اليهود، وكانت بنو قينقاع أعداء قريظة، وكانت الأوس حلفاء بني قينقاع، والخزرج حلفاء بني قريظة‏.‏ والنضير والأوس والخزرج إخوان، وقريظة والنضير أيضا إخوان، ثم افترقوا فكانوا يقتتلون، ثم يرتفع الحرب فيفدون أساراهم، فعيرهم الله بذلك فقال‏{‏وإن يأتوكم أسارى تفادوهم‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏{‏تظاهرون‏}‏ معنى ‏{‏تظاهرون‏}‏ تتعاونون، مشتق من الظهر، لأن بعضهم يقوي بعضا فيكون له كالظهر، ومنه قول الشاعر‏:‏

تظاهرتم أستاه بيت تجمعت على واحد لا زلتم قرن واحد

وقرأ أهل المدينة وأهل مكة ‏{‏تظاهرون‏}‏ بالتشديد، يدغمون التاء في الظاء لقربها منها، والأصل تتظاهرون‏.‏ وقرأ الكوفيون ‏{‏تظاهرون‏}‏ مخففا، حذفوا التاء الثانية لدلالة الأولى عليها، وكذا ‏{‏وإن تظاهرا عليه‏}‏التحريم‏:‏ 4‏]‏‏.‏ وقرأ قتادة ‏{‏تظهرون عليهم‏}‏ وكله راجع إلى معنى التعاون، ومنه‏{‏وكان الكافر على ربه ظهيرا‏}‏الفرقان‏:‏ 55‏]‏ وقوله‏{‏والملائكة بعد ذلك ظهير‏}‏التحريم‏:‏ 4‏]‏ فاعلمه‏.‏ ‏{‏بالإثم والعدوان‏}‏ والإثم‏:‏ الفعل الذي يستحق عليه صاحبه الذم‏.‏ والعدوان‏:‏ الإفراط في الظلم والتجاوز فيه‏.‏

قوله تعالى‏{‏وإن يأتوكم أسارى‏}‏ شرط وجوابه‏{‏تفادوهم‏}‏ و‏{‏أسارى‏}‏ نصب على الحال‏.‏ قال أبو عبيد وكان أبو عمرو يقول‏:‏ ما صار في أيديهم فهم الأسارى، وما جاء مستأسرا فهم الأسرى‏.‏ ولا يعرف أهل اللغة ما قال أبو عمرو، إنما هو كما تقول‏:‏ سكارى وسكرى‏.‏ وقراءة الجماعة ‏{‏أسارى‏}‏ ما عدا حمزة فإنه قرأ ‏{‏أسرى‏}‏ على فعلى، جمع أسير بمعنى مأسور، والباب - في تكسيره إذا كان كذلك - فعلى، كما تقول‏:‏ قتيل وقتلى، وجريح وجرحى‏.‏ قال أبو حاتم‏:‏ ولا يجوز أسارى‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ يقال أسارى كما يقال سكارى، وفعالى هو الأصل، وفعالى داخلة عليها‏.‏ وحكي عن محمد بن يزيد قال‏:‏ يقال أسير وأسراء، كظريف وظرفاء‏.‏ قال ابن فارس‏:‏ يقال في جمع أسير أسرى وأسارى، وقرئ بهما‏.‏ وقيل‏:‏ أسارى بفتح الهمزة وليست بالعالية‏.‏

الأسير مشتق من الإسار، وهو القد الذي يشد به المحمل فسمي أسيرا، لأنه يشد وثاقه، والعرب تقول‏:‏ قد أسر قتبه، أي شده، ثم سمي كل أخيذ أسيرا وإن لم يؤسر، وقال الأعشى‏:‏

وقيدني الشعر في بيته كما قيد الآسرات الحمارا

أي أنا في بيته، يريد ذلك بلوغه النهاية فيه‏.‏ فأما الأسر في قوله عز وجل‏{‏وشددنا أسرهم‏}‏الإنسان‏:‏ 28‏]‏ فهو الخلق‏.‏ وأسرة الرجل رهطه، لأنه يتقوى بهم‏.‏

قوله تعالى‏{‏تفادوهم‏}‏ كذا قرأ نافع وحمزة والكسائي‏.‏ والباقون ‏{‏تفدوهم‏}‏ من الفداء‏.‏ والفداء‏:‏ طلب الفدية في الأسير الذي في أيديهم‏.‏ قال الجوهري الفداء إذا كسر أوله يمد ويقصر، وإذا فتح فهو مقصور، يقال‏:‏ قم فدى لك أبي‏.‏ ومن العرب من يكسر ‏{‏فداء‏}‏ بالتنوين إذا جاور لام الجر خاصة، فيقول‏:‏ فداء لك، لأنه نكرة يريدون به معنى الدعاء‏.‏ وأنشد الأصمعي للنابغة‏:‏

مهلا فداء لك الأقوام كلهم وما أثمر من مال ومن ولد

ويقال‏:‏ فداه وفاداه إذا أعطى فداءه فأنقذه‏.‏ وفداه بنفسه، وفداه يفديه إذا قال جعلت فداك‏.‏ وتفادوا، أي فدى بعضهم بعضا‏.‏ والفدية والفدى والفداء كله بمعنى واحد‏.‏ وفاديت نفسي إذا أطلقتها بعد أن دفعت شيئا، بمعنى فديت، ومنه قول العباس للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ فاديت نفسي وفاديت عقيلا‏.‏ وهما فعلان يتعديان إلى مفعولين الثاني منهما بحرف الجر، تقول‏:‏ فديت نفسي بمالي وفاديته بمالي، قال الشاعر‏:‏

قفي فادي أسيرك إن قومي وقومك ما أرى لهم اجتماعا

قوله تعالى‏{‏وهو محرم عليكم إخراجهم‏}‏ ‏{‏هو‏}‏ مبتدأ وهو كناية عن الإخراج، و‏{‏محرم‏}‏ خبره، و‏{‏إخراجهم‏}‏ بدل من ‏{‏هو‏}‏ وإن شئت كان كناية عن الحديث والقصة، والجملة التي بعده خبره، أي والأمر محرم عليكم إخراجهم‏.‏ فـ ‏{‏إخراجهم ‏}‏ مبتدأ ثان‏.‏ و‏{‏محرم‏}‏ خبره، والجملة خبر عن ‏{‏هو‏}‏، وفي ‏{‏محرم‏}‏ ضمير ما لم يسم فاعله يعود على الإخراج‏.‏ ويجوز أن يكون ‏{‏محرم‏}‏ مبتدأ، و‏{‏إخراجهم‏}‏ مفعول ما لم يسم فاعله يسد مسد خبر ‏{‏محرم‏}‏، والجملة خبر عن ‏{‏هو‏}‏‏.‏ وزعم الفراء أن ‏{‏هو‏}‏ عماد، وهذا عند البصريين خطأ لا معنى له، لأن العماد لا يكون في أول الكلام‏.‏ ويقرأ ‏{‏وهو‏}‏ بسكون الهاء لثقل الضمة، كما قال الشاعر‏:‏

فهْو لا تنمي رميته ماله لا عد من نفره

وكذلك إن جئت باللام وثم، وقد تقدم‏.‏

قوله تعالى ‏{‏‏.‏‏.‏‏.‏ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون‏}‏

قوله تعالى‏{‏أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض‏}‏ قال علماؤنا‏:‏ كان الله تعالى قد أخذ عليهم أربعة عهود‏:‏ ترك القتل، وترك الإخراج، وترك المظاهرة، وفداء أساراهم، فأعرضوا عن كل ما أمروا به إلا الفداء، فوبخهم الله على ذلك توبيخا يتلى فقال‏{‏أفتؤمنون ببعض الكتاب‏}‏البقرة‏:‏ 85‏]‏ وهو التوراة ‏{‏وتكفرون ببعض‏}‏البقرة‏:‏ 85‏]‏ ‏!‏‏!‏

قلت‏:‏ ولعمر الله لقد أعرضنا نحن عن الجميع بالفتن فتظاهر بعضنا على بعض‏!‏ ليت بالمسلمين، بل بالكافرين‏!‏ حتى تركنا إخواننا أذلاء صاغرين يجري عليهم حكم المشركين، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم‏!‏‏.‏

قال علماؤنا‏:‏ فداء الأسارى واجب وإن لم يبق درهم واحد‏.‏ قال ابن خويز منداد‏:‏ تضمنت الآية وجوب فك الأسرى، وبذلك وردت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فك الأسارى وأمر بفكهم، وجرى بذلك عمل المسلمين وانعقد به الإجماع‏.‏ ويجب فك الأسارى من بيت المال، فإن لم يكن فهو فرض على كافة المسلمين، ومن قام به منهم أسقط الفرض عن الباقين‏.‏ وسيأتي‏.‏

قوله تعالى‏{‏فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا‏}‏ ابتداء وخبر‏.‏ والخزي الهوان‏.‏ قال الجوهري‏:‏ وخزي - بالكسر - يخزى خزيا إذا ذل وهان‏.‏ قال ابن السكيت‏:‏ وقع في بلية‏.‏ وأخزاه الله، وخزي أيضا يخزى خزاية إذا استحيا، فهو خزيان‏.‏ وقوم خزايا وامرأة خزيا‏.‏

قوله تعالى‏{‏ويوم القيامة يردون‏}‏ ‏{‏يردون‏}‏ بالياء قراءة العامة، وقرأ الحسن ‏{‏تردون‏}‏ بالتاء على الخطاب‏.‏ ‏{‏إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون‏}‏ تقدم القول فيه، وكذلك‏{‏أولئك الذين اشتروا‏}‏ الآية فلا معنى للإعادة‏.‏ ‏{‏يوم‏}‏ منصوب بـ ‏{‏يردون‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏87‏)‏

‏{‏ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون‏}‏

قوله تعالى‏{‏ولقد آتينا موسى الكتاب‏}‏ يعني التوراة‏.‏ قوله تعالى‏{‏وقفينا من بعده بالرسل‏}‏ أي اتبعنا والتقفية‏:‏ الإتباع والإرداف، مأخوذ من اتباع القفا وهو مؤخر العنق‏.‏ تقول استقفيته إذا جئت من خلفه، ومنه سميت قافية الشعر، لأنها تتلو سائر الكلام‏.‏ والقافية‏:‏ القفا، ومنه الحديث‏:‏ ‏(‏يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم‏)‏‏.‏ والقفي والقفاوة‏:‏ ما يدخر من اللبن وغيره لمن تريد إكرامه‏.‏ وقفوت الرجل‏:‏ قذفته بفجور‏.‏ وفلان قفوتي أي تهمتي‏.‏ وقفوتي أي خيرتي‏.‏ قال ابن دريد كأنه من الأضداد‏.‏ قال العلماء‏:‏ وهذه الآية مثل قوله تعالى‏{‏ثم أرسلنا رسلنا تترى‏}‏المؤمنون‏:‏ 44‏]‏‏.‏ وكل رسول جاء بعد موسى فإنما جاء بإثبات التوراة والأمر بلزومها إلى عيسى عليه السلام‏.‏ ويقال‏:‏ رسل ورسل لغتان، الأولى لغة الحجاز، والثانية لغة تميم، وسواء كان مضافا أو غير مضاف‏.‏ وكان أبو عمرو يخفف إذا أضاف إلى حرفين، ويثقل إذا أضاف إلى حرف واحد‏.‏

قوله تعالى‏{‏وآتينا عيسى ابن مريم البينات‏}‏ أي الحجج والدلالات، وهي التي ذكرها الله في ‏{‏آل عمران‏}‏ و‏{‏المائدة‏}‏، قاله ابن عباس‏.‏ قوله تعالى‏{‏وأيدناه‏}‏ أي قويناه‏.‏ وقرأ مجاهد وابن محيصن ‏{‏آيدناه‏}‏ بالمد، وهما لغتان‏.‏ قوله تعالى‏{‏بروح القدس‏}‏ روى أبو مالك وأبو صالح عن ابن عباس ومعمر عن قتادة قالا‏:‏ جبريل عليه السلام‏.‏ وقال حسان‏:‏

وجبريل رسول الله فينا وروح القدس ليس به خفاء

قال النحاس‏:‏ وسمي جبريل روحا وأضيف إلى القدس، لأنه كان بتكوين الله عز وجل له روحا من غير ولادة والد ولده، وكذلك سمي عيسى روحا لهذا‏.‏ و روى غالب بن عبدالله عن مجاهد قال‏:‏ القدس هو الله عز وجل‏.‏ وكذا قال الحسن‏:‏ القدس هو الله، وروحه جبريل‏.‏ و روى أبو روق عن الضحاك عن ابن عباس‏{‏بروح القدس‏}‏ قال‏:‏ هو الاسم الذي كان يحيي به عيسى الموتى، وقاله سعيد بن جبير وعبيد بن عمير، وهو اسم الله الأعظم‏.‏ وقيل‏:‏ المراد الإنجيل، سماه روحا كما سمى الله القرآن روحا في قوله تعالى‏{‏وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا‏}‏الشورى‏:‏ 52‏]‏‏.‏ والأول أظهر، والله تعالى اعلم‏.‏ والقدس‏:‏ الطهارة‏.‏ وقد تقدم‏.‏

قوله تعالى‏{‏أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم‏}‏ أي بما لا يوافقها ويلائمها، وحذفت الهاء لطول الاسم، أي بما لا تهواه‏.‏

قوله تعالى‏{‏استكبرتم‏}‏ عن إجابته احتقارا للرسل، واستبعادا للرسالة‏.‏ وأصل الهوى الميل إلى الشيء، ويجمع أهواء، كما جاء في التنزيل، ولا يجمع أهوية، على أنهم قد قالوا في ندى أندية، قال الشاعر‏:‏

في ليلة من جمادى ذات أندية لا يبصر الكلب في ظلمائها الطنبا

قال الجوهري‏:‏ وهو شاذ وسمي الهوى لأنه يهوي بصاحبه إلى النار، ولذلك لا يستعمل في الغالب إلا فيما ليس بحق وفيما لا خير فيه، وهذه الآية من ذلك‏.‏ وقد يستعمل في الحق، ومنه قول عمر رضي الله عنه في أسارى بدر‏:‏ فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت‏.‏ وقالت عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم في صحيح الحديث‏:‏ والله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك‏.‏ أخرجهما مسلم‏.‏

قوله تعالى‏{‏ففريقا كذبتم‏}‏ ‏{‏ففريقا‏}‏ منصوب بـ ‏{‏كذبتم‏}‏، وكذا ‏{‏وفريقا تقتلون‏}‏ فكان ممن كذبوه عيسى ومحمد عليهما السلام، وممن قتلوه يحيى وزكريا عليهما السلام، على ما يأتي بيانه في ‏{‏سبحان‏}‏الإسراء‏]‏ إن شاء الله تعالى‏.‏

 الآية رقم ‏(‏88‏)‏

‏{‏وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون‏}‏

قوله تعالى‏{‏وقالوا‏}‏ يعني اليهود‏.‏ قوله تعالى‏{‏قلوبنا غلف‏}‏ بسكون اللام جمع أغلف، أي عليها أغطية‏.‏ وهو مثل قوله‏{‏قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه‏}‏ فصلت‏:‏ 5‏]‏ أي في أوعية‏.‏ قال مجاهد‏{‏غلف‏}‏ عليها غشاوة‏.‏ وقال عكرمة‏:‏ عليها طابع‏.‏ وحكى أهل اللغة غلفت السيف جعلت له غلافا، فقلب أغلف، أي مستور عن الفهم والتمييز‏.‏ وقرأ ابن عباس والأعرج وابن محيصن ‏{‏غلف‏}‏ بضم اللام‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ أي قلوبنا ممتلئة علما لا تحتاج إلى علم محمد صلى الله عليه وسلم ولا غيره‏.‏ وقيل‏:‏ هو جميع غلاف‏.‏ مثل خمار وخمر، أي قلوبنا أوعية للعلو فما بالها لا تفهم عنك وقد وعينا علما كثيرا‏!‏ وقيل‏:‏ المعنى فكيف يعزب عنها علم محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏

قوله تعالى‏{‏بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون‏}‏ بين أن السبب في نفورهم عن الإيمان إنما هو أنهم لعنوا بما تقدم من كفرهم واجترائهم، وهذا هو الجزاء على الذنب بأعظم منه‏.‏ وأصل اللعن في كلام العرب الطرد والإبعاد‏.‏ ويقال للذئب‏:‏ لعين‏.‏ وللرجل الطريد‏:‏ لعين، وقال الشماخ‏:‏

ذعرت به القطا ونفيت عنه مقام الذئب كالرجل اللعين

ووجه الكلام‏:‏ مقام الذئب اللعين كالرجل، فالمعنى أبعدهم الله من رحمته‏.‏ وقيل‏:‏ من توفيقه وهدايته‏.‏ وقيل‏:‏ من كل خير، وهذا عام‏.‏ ‏{‏فقليلا‏}‏ نعت لمصدر محذوف، تقديره فإيمانا قليلا ما يؤمنون‏.‏ وقال معمر‏:‏ المعنى لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم ويكفرون بأكثره، ويكون ‏{‏قليلا‏}‏ منصوب بنزع حرف الصفة‏.‏ و‏{‏ما‏}‏ صلة، أي فقليلا يؤمنون‏.‏ وقال الواقدي‏:‏ معناه لا يؤمنون قليلا ولا كثيرا، كما تقول‏:‏ ما أقل ما يفعل كذا، أي لا يفعله البتة‏.‏ وقال الكسائي‏:‏ تقول العرب مررنا بأرض قل ما تنبت الكراث والبصل، أي لا تنبت شيئا‏.‏

 الآية رقم ‏(‏89‏)‏

‏{‏ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين‏}‏

قوله تعالى‏{‏ولما جاءهم‏{‏ يعني اليهود‏.‏ قوله تعالى‏{‏كتاب من عند الله‏}‏ يعني القرآن‏.‏ قوله تعالى‏{‏مصدق‏}‏ نعت لكتاب، ويجوز في غير القرآن نصبه على الحال، وكذلك هو في مصحف أبي بالنصب فيما روي‏.‏ قوله تعالى‏{‏لما معهم‏}‏ يعني التوراة والإنجيل يخبرهم بما فيهما‏.‏

قوله تعالى‏{‏وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا‏}‏ أي يستنصرون‏.‏ والاستفتاح الاستنصار‏.‏ استفتحت‏:‏ استنصرت‏.‏ وفي الحديث‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح بصعاليك المهاجرين، أي يستنصر بدعائهم وصلاتهم‏.‏ ومنه ‏{‏فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده‏}‏المائدة‏:‏ 52‏]‏‏.‏ والنصر‏:‏ فتح شيء مغلق، فهو يرجع إلى قولهم فتحت الباب‏.‏ و‏"‏روى النسائي عن أبي سعيد الخدري ‏"‏أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إنما نصر الله هذه الأمة بضعفائها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم‏)‏‏.‏ و‏"‏روى النسائي أيضا عن أبي الدرداء‏"‏ قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏أبغوني الضعيف فإنكم إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم‏)‏‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ كانت يهود خيبر تقاتل غطفان فلما التقوا هزمت يهود، فعادت يهود بهذا الدعاء وقالوا‏:‏ إنا نسألك بحق النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إلا تنصرنا عليهم‏.‏ قال‏:‏ فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كفروا، فأنزل الله تعالى‏{‏وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا‏}‏ أي بك يا محمد، إلى قوله‏{‏فلعنة الله على الكافرين‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏{‏فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين‏}‏ ‏{‏ولما جاءهم‏}‏ جواب ‏{‏لما‏}‏ الفاء وما بعدها في قوله ‏{‏فلما جاءهم ما عرفوا‏}‏ في قول الفراء، وجواب ‏{‏لما‏}‏ الثانية ‏{‏كفروا‏}‏‏.‏ وقال الأخفش سعيد‏:‏ جواب ‏{‏لما‏}‏ محذوف لعلم السامع، وقاله الزجاج‏.‏ وقال المبرد‏:‏ جواب ‏{‏لما‏}‏ في قوله‏{‏كفروا‏}‏، وأعيدت ‏{‏لما‏}‏ الثانية لطول الكلام‏.‏ ويفيد ذلك تقرير الذنب وتأكيدا له‏.‏

 الآية رقم ‏(‏90‏)‏

‏{‏بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباؤوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين‏}‏

قوله تعالى‏{‏بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله ‏}‏ بئس في كلام العرب مستوفية للذم، كما أن ‏{‏نعم‏}‏ مستوفية للمدح‏.‏ وفي كل واحدة منها أربع لغات‏:‏ بِئْس بَئْس بَئِس بِئِس‏.‏ نِعْم نَعْم نَعِم نِعِم‏.‏ ومذهب سيبويه أن ‏{‏ما‏{‏ فاعلة بئس، ولا تدخل إلا على أسماء الأجناس والنكرات‏.‏ وكذا نِعم، فتقول نعم الرجل زيد، ونعم رجلا زيد، فإذا كان معها اسم بغير ألف ولام فهو نصب أبدا، فإذا كان فيه ألف ولام فهو رفع أبدا، ونصب رجل على التمييز‏.‏ وفي نعم مضمر على شريطة التفسير، وزيد مرفوع على وجهين‏:‏ على خبر ابتداء محذوف، كأنه قيل من الممدوح‏؟‏ قلت هو زيد، والآخر على الابتداء وما قبله خبره‏.‏ وأجاز أبو علي أن تليها ‏{‏ما‏}‏ موصولة وغير موصولة من حيث كانت مبهمة تقع على الكثرة ولا تخص واحدا بعينه، والتقدير عند سيبويه‏:‏ بئس الشيء اشتروا به أنفسهم أن يكفروا‏.‏ فـ ‏{‏أن يكفروا‏}‏ في موضع رفع بالابتداء وخبره فيما قبله، كقولك‏:‏ بئس الرجل زيد، و‏{‏ما‏}‏على هذا القول موصولة‏.‏ وقال الأخفش‏{‏ما‏}‏ في موضع نصب على التمييز، كقولك‏:‏ بئس رجلا زيد، فالتقدير بئس شيئا أن يكفروا‏.‏ فـ ‏{‏اشتروا به أنفسهم‏}‏ على هذا القول صفة ‏{‏ما‏}‏‏.‏ وقال الفراء‏{‏بئسما‏}‏ بجملته شيء واحد ركب كحبذا‏.‏ وفي هذا القول اعتراض، لأنه يبقى فعل بلا فاعل‏.‏ وقال الكسائي‏{‏ما‏}‏ و‏{‏اشتروا‏}‏ بمنزلة اسم واحد قائم بنفسه، والتقدير بئس اشتراؤهم أن يكفروا‏.‏ وهذا مردود، فإن نعم وبئس لا يدخلان على اسم معين معرف، والشراء قد تعرف بإضافته إلى الضمير‏.‏ قال النحاس‏:‏ وأبين هذه الأقوال قول الأخفش وسيبويه‏.‏ قال الفراء والكسائي‏{‏أن يكفروا‏}‏ إن شئت كانت ‏{‏أن‏}‏ في موضع خفض ردا على الهاء في به‏.‏ قال الفراء‏:‏ أي اشتروا أنفسهم بأن يكفروا بما أنزل الله‏.‏ فاشترى بمعنى باع وبمعنى ابتاع، والمعنى‏:‏ بئس الشيء الذي اختاروا لأنفسهم حيث استبدلوا الباطل بالحق، والكفر بالإيمان‏.‏

قوله تعالى‏{‏بغيا‏}‏ معناه حسدا، قال قتادة والسدي، وهو مفعول من أجله، وهو على الحقيقة مصدر‏.‏ الأصمعي‏:‏ وهو مأخوذ من قولهم‏:‏ قد بغى الجرح إذا فسد‏.‏ وقيل‏:‏ أصله الطلب، ولذلك سميت الزانية بغيا‏.‏ قوله تعالى‏{‏أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده‏}‏ في موضع نصب، أي لأن ينزل، أي لأجل إنزال الله الفضل على نبيه صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وابن محيصن ‏{‏أن ينزل‏}‏ مخففا، وكذلك سائر ما في القرآن، إلا ‏{‏وما ننزله‏}‏الحجر‏:‏ 21‏]‏، وفي ‏{‏الأنعام‏}‏ ‏{‏على أن ينزل آية‏}‏الأنعام‏:‏ 37‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏{‏فباؤوا‏}‏ أي رجعوا، وأكثر ما يقال في الشر، وقد تقدم‏.‏ قوله تعالى‏{‏بغضب على غضب‏}‏ تقدم معنى غضب الله عليهم، وهو عقابه، فقيل‏:‏ الغضب الأول لعبادتهم العجل، والثاني لكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، قال ابن عباس‏.‏ وقال عكرمة‏:‏ لأنهم كفروا بعيسى ثم كفروا بمحمد، يعني اليهود‏.‏ و روى سعيد عن قتادة‏:‏ الأول لكفرهم بالإنجيل، والثاني لكفرهم بالقرآن‏.‏ وقال قوم‏:‏ المراد التأبيد وشدة الحال عليهم، لا أنه أراد غضبين معللين بمعصيتين‏.‏ قوله تعالى‏{‏وللكافرين عذاب مهين‏}‏ مأخوذ من الهوان، وهو ما اقتضى الخلود في النار دائما بخلاف خلود العصاة من المسلمين، فإن ذلك تمحيص لهم وتطهير، كرجم الزاني وقطع يد السارق، على ما يأتي بيانه في سورة ‏{‏النساء‏}‏ من حديث أبي سعيد الخدري إن شاء الله تعالى‏.‏

 الآية رقم ‏(‏91‏)‏

‏{‏وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين‏}‏

قوله تعالى‏{‏وإذا قيل لهم آمنوا‏}‏ أي صدقوا‏.‏ ‏{‏بما أنزل الله‏}‏ يعني القرآن‏.‏ ‏{‏قالوا نؤمن‏}‏ أي نصدق‏.‏ ‏{‏بما أنزل علينا‏}‏ يعني التوراة‏.‏ ‏{‏ويكفرون بما وراءه‏}‏ أي بما سواه، عن الفراء‏.‏ وقتادة‏:‏ بما بعده، وهو قول أبي عبيدة، والمعنى واحد‏.‏ قال الجوهري‏:‏ وراء بمعنى خلف، وقد تكون بمعنى قدام‏.‏ وهي من الأضداد، قال الله تعالى‏{‏وكان وراءهم ملك‏}‏ أي أمامهم، وتصغيرها وريئه بالهاء وهي شاذة‏.‏ وانتصب ‏{‏وراءه‏}‏ على الظرف‏.‏ قال الأخفش‏:‏ يقال لقيته من وراء، فترفعه على الغاية إذا كان غير مضاف تجعله اسما وهو غير متمكن، كقولك‏:‏ من قبل ومن بعد، وأنشد‏:‏

إذا أنا لم أومن عليك ولم يكن لقاؤك إلا من وراء وراء

قلت‏:‏ ومنه قول إبراهيم عليه السلام في حديث الشفاعة‏:‏ ‏(‏إنما كنت خليلا من وراء وراء‏)‏‏.‏ والوراء‏:‏ ولد الولد أيضا‏.‏

قوله تعالى‏{‏وهو الحق‏}‏ ابتداء وخبر‏.‏ ‏{‏مصدقا‏}‏ حال مؤكدة عند سيبويه‏.‏ ‏{‏لما معهم‏}‏ ما في موضع خفض باللام، و‏{‏معهم‏}‏ صلتها، و‏{‏معهم‏}‏ نصب بالاستقرار، ومن أسكن جعله حرفا‏.‏

قوله تعالى‏{‏قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل‏}‏ رد من الله تعالى عليهم في قولهم إنهم آمنوا بما أنزل عليهم، وتكذيب منه لهم وتوبيخ، المعنى‏:‏ فكيف قتلتم وقد نهيتم عن ذلك‏!‏ فالخطاب لمن حضر محمدا صلى الله عليه وسلم والمراد أسلافهم‏.‏ وإنما توجه الخطاب لأبنائهم، لأنهم كانوا يتولون أولئك الذين قتلوا، كما قال‏{‏ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء‏}‏المائدة‏:‏ 81‏]‏ فإذا تولوهم فهم بمنزلتهم‏.‏ وقيل‏:‏ لأنهم رضوا فعلهم فنسب ذلك إليهم‏.‏ وجاء ‏{‏تقتلون‏}‏ بلفظ الاستقبال وهو بمعنى المضي لما ارتفع الإشكال بقوله‏{‏من قبل‏}‏‏.‏ وإذا لم يشكل فجائز أن يأتي الماضي بمعنى المستقبل، والمستقبل بمعنى الماضي، قال الحطيئة‏:‏

شهد الحطيئة يوم يلقى ربه أن الوليد أحق بالعذر

شهد بمعنى يشهد‏.‏

قوله تعالى‏{‏إن كنتم مؤمنين‏}‏ أي إن كنتم معتقدين الإيمان فلم رضيتم بقتل الأنبياء‏!‏ وقيل‏{‏إن‏}‏ بمعنى ما، وأصل ‏{‏لم‏}‏ لما، حذفت الألف فرقا بين الاستفهام والخبر، ولا ينبغي أن يوقف عليه، لأنه إن وقف عليه بلا هاء كان لحنا، وإن وقف عليه بالهاء زيد في السواد‏.‏

 الآية رقم ‏(‏92‏)

‏‏{‏ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون‏}‏

قوله تعالى‏{‏ولقد جاءكم موسى بالبينات‏{‏ اللام لام القسم‏.‏ والبينات قوله تعالى‏}‏ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات‏}‏الإسراء‏:‏ 101‏]‏ وهي العصا، والسنون، واليد، والدم، والطوفان، والجراد والقمل، والضفادع، وفلق البحر‏.‏ وقيل‏:‏ البينات التوراة، وما فيها من الدلالات‏.‏

قوله تعالى‏{‏ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون‏}‏ توبيخ، و‏{‏ثم‏}‏ أبلغ من الواو في التقريع، أي بعد النظر في الآيات والإتيان بها اتخذتم‏.‏ وهذا يدل على أنهم إنما فعلوا ذلك بعد مهلة من النظر في الآية، وذلك أعظم لجرمهم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏93‏)‏

‏{‏وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين‏}‏

قوله تعالى‏{‏وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا‏}‏ تقدم الكلام في هذا‏.‏ ومعنى ‏{‏واسمعوا‏}‏ أطيعوا، وليس معناه الأمر بإدراك القول فقط، وإنما المراد اعلموا بما سمعتم والتزموه، ومنه قولهم‏:‏ سمع الله لمن حمده، أي قبل وأجاب‏.‏ قال‏:‏

دعوت الله حتى خفت ألا يكون الله يسمع ما أقول

أي يقبل، وقال الراجز‏:‏

والسمع والطاعة والتسليم خير وأعفى لبني تميم

قوله تعالى‏{‏قالوا سمعنا وعصينا‏}‏ اختلف هل صدر منهم هذا اللفظ حقيقة باللسان نطقا، أو يكونوا فعلوا فعلا قام مقام القول فيكون مجازا، كما قال‏:‏

امتلأ الحوض وقال قطني مهلا رويدا قد ملأت بطني

وهذا احتجاج عليهم في قولهم‏{‏نؤمن بما أنزل علينا‏}‏

قوله تعالى‏{‏وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم‏}‏ أي حب العجل والمعنى‏:‏ جعلت قلوبهم تشربه، وهذا تشبيه ومجاز عبارة عن تمكن أمر العجل في قلوبهم‏.‏ وفي الحديث‏:‏ ‏(‏تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ الحديث،‏"‏ خرجه مسلم‏"‏‏.‏ يقال أشرب قلبه حب كذا، قال زهير‏:‏

فصحوت عنها بعد حب داخل والحب تشربه فؤادك داء

وإنما عبر عن حب العجل بالشرب دون الأكل لأن شرب الماء يتغلغل في الأعضاء حتى يصل إلى باطنها، والطعام مجاور لها غير متغلغل فيها‏.‏ وقد زاد على هذا المعنى أحد التابعين فقال في زوجته عثمة، وكان عتب عليها في بعض الأمر فطلقها وكان محبا لها‏:‏

تغلغل حب عثمة في فؤادي فباديه مع الخافي يسير

تغلغل حيث لم يبلغ شراب ولا حزن ولم يبلغ سرور

أكاد إذا ذكرت العهد منها أطير لو أن إنسانا يطير

وقال السدي وابن جريج‏:‏ إن موسى عليه السلام برد العجل وذراه في الماء، وقال لبني إسرائيل‏:‏ اشربوا من ذلك الماء، فشرب جميعهم، فمن كان يحب العجل خرجت برادة الذهب على شفتيه‏.‏ وروي أنه ما شربه أحد إلا جن، حكاه القشيري‏.‏

قلت‏:‏ أما تذريته في البحر فقد دل عليه قوله تعالى‏{‏ثم لننسفنه في اليم نسفا‏}‏طه‏:‏ 97‏]‏، وأما شرب الماء وظهور البرادة على الشفاه فيرده قوله تعالى‏{‏واشربوا في قلوبهم العجل‏}‏ والله تعالى اعلم‏.‏

قوله تعالى‏{‏قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين‏}‏ وقد تقدم ذكره‏.‏ ‏{‏إيمانكم‏}‏ أي إيمانكم الذي زعمتم في قولكم‏:‏ نؤمن بما أنزل علينا‏.‏ وقيل‏:‏ إن هذا الكلام خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أمر أن يوبخهم، أي قل لهم يا محمد‏:‏ بئس هذه الأشياء التي فعلتم وأمركم بها إيمانكم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏94‏)‏

‏{‏قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين‏}‏

قوله تعالى‏{‏قل إن كانت لكم الدار الآخرة‏}‏ لما ادعت اليهود دعاوى باطلة حكاها الله عز وجل عنهم في كتابه، كقوله تعالى‏{‏لن تمسنا النار إلا أياما معدودة‏}‏البقرة‏:‏ 80‏]‏، وقوله‏{‏وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى‏}‏البقرة‏:‏ 111‏]‏، وقالوا‏{‏نحن أبناء الله وأحباؤه‏}‏المائدة‏:‏ 18‏]‏ أكذبهم الله عز وجل وألزمهم الحجة فقال قل لهم يا محمد‏{‏إن كان لكم الدار الآخرة‏{‏ يعني الجنة ‏{‏فتمنوا الموت إن كنتم صادقين‏}‏

قوله تعالى‏{‏عند الله خالصة من دون الناس‏{‏ نصب على خبر كان، وإن شئت كان حالا، ويكون ‏{‏عند الله‏{‏ في موضع الخبر‏.‏ ‏{‏فتمنوا الموت إن كنتم صادقين‏}‏ في أقوالكم، لأن من اعتقد أنه من أهل الجنة كان الموت أحب إليه من الحياة في الدنيا، لما يصير إليه من نعيم الجنة، ويزول عنه من أذى الدنيا، فأحجموا عن تمني ذلك فرقا من الله لقبح أعمالهم ومعرفتهم بكفرهم في قولهم‏{‏نحن أبناء الله وأحباؤه‏}‏المائدة‏:‏ 18‏]‏، وحرصهم على الدنيا تحقيقا لكذبهم‏.‏ وأيضا لو تمنوا الموت لماتوا، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقامهم من النار‏)‏‏.‏ وقيل‏:‏ إن الله صرفهم عن إظهار التمني، وقصرهم على الإمساك ليجعل ذلك آية لنبيه صلى الله عليه وسلم، فهذه ثلاثة أوجه في تركهم التمني‏.‏ وحكى عكرمة عن ابن عباس في قوله‏{‏فتمنوا الموت‏}‏ أن المراد ادعوا بالموت على أكذب الفريقين منا ومنكم، فما دعوا لعلمهم بكذبهم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏95‏)‏

‏{‏ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين‏}‏

فإن قيل‏:‏ فالتمني يكون باللسان تارة وبالقلب أخرى، فمن أين علم أنهم لم يتمنوه بقلوبهم‏؟‏ قيل له‏:‏ نطق القرآن بذلك بقول ‏{‏ولن يتمنوه أبدا‏{‏ ولو تمنوه بقلوبهم لأظهروه بألسنتهم ردا على النبي صلى الله عليه، سلم وإبطالا لحجته، وهذا بين‏.‏ ‏{‏أبدا‏{‏ ظرف زمان يقع على القليل والكثير، كالحين والوقت، وهو هنا من أول العمر إلى الموت‏.‏ و‏{‏ما‏{‏ في قوله ‏{‏بما‏{‏ بمعنى الذي والعائد محذوف، والتقدير قدمته، وتكون مصدرية ولا تحتاج إلى عائد‏.‏ و‏{‏أيديهم‏{‏ في موضع رفع، حذفت الضمة من الياء لثقلها مع الكسرة، وإن كانت في موضع نصب حركتها، لأن النصب خفيف، ويجوز إسكانها في الشعر‏.‏ ‏{‏والله عليم بالظالمين‏{‏ ابتداء وخبر‏.‏

 الآية رقم ‏(‏96‏)‏

‏{‏ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون‏}‏

قوله تعالى‏{‏ولتجدنهم أحرص الناس على حياة‏{‏ يعني اليهود‏.‏ ‏{‏ومن الذين أشركوا‏{‏ قيل‏:‏ المعنى وأحرص، فحذف ‏{‏من الذين أشركوا‏{‏ لمعرفتهم بذنوبهم وألا خير لهم عند الله، ومشركو العرب لا يعرفون إلا هذه الحياة ولا علم لهم من الآخرة، ألا ترى قول شاعرهم‏:‏

تمتع من الدنيا فإنك فان من النشوات والنساء الحسان

والضمير في ‏{‏أحدهم‏{‏ يعود في هذا القول على اليهود‏.‏ وقيل‏:‏ إن الكلام تم في ‏{‏حياة‏{‏ ثم استؤنف الإخبار عن طائفة من المشركين‏.‏ قيل‏:‏ هم المجوس، وذلك بين في أدعياتهم للعاطس بلغاتهم بما معناه ‏{‏عش ألف سنة‏{‏‏.‏ وخص الألف بالذكر لأنها نهاية العقد في الحساب‏.‏ وذهب الحسن إلى أن ‏{‏الذين أشركوا‏{‏ مشركو العرب، خصوا بذلك لأنهم لا يؤمنون بالبعث، فهم يتمنون طول العمر‏.‏ وأصل سنة سنهة‏.‏ وقيل‏:‏ سنوة‏.‏ وقيل‏:‏ في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى ولتجدنهم وطائفة من الذين أشركوا أحرص الناس على حياة‏.‏

قوله تعالى‏{‏يود أحدهم لو يعمر ألف سنة‏{‏ أصل ‏{‏يود‏{‏ يودد، أدغمت لئلا يجمع بين حرفين من جنس واحد متحركين، وقلبت حركة الدال على الواو، ليدل ذلك على أنه يفعل‏.‏ وحكى الكسائي‏:‏ وددت، فيجوز على هذا يود بكسر الواو‏.‏ ومعنى يود‏:‏ يتمنى‏.‏

قوله تعالى‏{‏وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر‏{‏ اختلف النحاة في هو، فقيل‏:‏ هو ضمير الأحد المتقدم، التقدير ما أحدهم بمزحزحه، وخبر الابتداء في المجرور‏.‏ ‏{‏أن يعمر‏{‏ فاعل بمزحزح وقالت فرقة‏:‏ هو ضمير التعمير، والتقدير وما التعمير بمزحزحه، والخبر في المجرور، ‏{‏أن يعمر‏{‏ بدل من التعمير على هذا القول‏.‏ وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت‏{‏هو‏{‏ عماد‏.‏

قلت‏:‏ وفيه بعد، فإن حق العماد أن يكون بين شيئين متلازمين، مثل قوله‏{‏إن كان هذا هو الحق‏}‏الأنفال‏:‏ 32‏]‏، وقوله‏{‏ولكن كانوا هم الظالمين‏}‏الزخرف‏:‏ 76‏]‏ ونحو ذلك‏.‏ وقيل‏{‏ما‏{‏ عاملة حجازية، و‏{‏هو‏{‏ اسمها، والخبر في ‏{‏بمزحزحه‏{‏‏.‏ وقالت طائفة‏{‏هو‏{‏ ضمير الأمر والشأن‏.‏ ابن عطية‏:‏ وفيه بعد، فإن المحفوظ عن النحاة أن يفسر بجملة سالمة من حرف جر‏.‏ وقوله‏{‏بمزحزحه‏{‏ الزحزحة‏:‏ الإبعاد والتنحية، يقال‏:‏ زحزحته أي باعدته فتزحزح أي تنحى وتباعد، يكون لازما ومتعديا قال الشاعر في المتعدي‏:‏

يا قابض الروح من نفس إذا احتضرت وغافر الذنب زحزحني عن النار

وأنشده ذو الرمة‏:‏

يا قابض الروح عن جسم عصى زمنا وغافر الذنب زحزحني عن النار

وقال آخر في اللازم‏:‏

خليلي ما بال الدجى لا يتزحزح وما بال ضوء الصبح لا يتوضح

و‏"‏روى النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه ‏"‏عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏من صام يوما في سبيل الله زحزح الله وجهه عن النار سبعين خريفا‏)‏‏.‏

قوله تعالى‏{‏والله بصير بما يعملون‏}‏ أي بما يعمل هؤلاء الذين يود أحدهم أن يعمر ألف سنة‏.‏ ومن قرأ بالتاء فالتقدير عنده‏.‏ قل لهم يا محمد الله بصير بما تعملون‏.‏ وقال العلماء‏:‏ وصف الله عز وجل نفسه بأنه بصير على معنى أنه عالم بخفيات الأمور‏.‏ والبصير في كلام العرب‏:‏ العالم بالشيء الخبير به، ومنه قولهم‏:‏ فلان بصير بالطب، وبصير بالفقه، وبصير بملاقاة الرجال، قال‏:‏

فإن تسألوني بالنساء فإنني بصير بأدواء النساء طبيب

قال الخطابي‏:‏ البصير العالم، والبصير المبصر‏.‏ وقيل‏:‏ وصف تعالى نفسه بأنه بصير على معنى جاعل الأشياء المبصرة ذوات إبصار، أي مدركة للمبصرات بما خلق لها من الآلة المدركة والقوة، فالله بصير بعباده، أي جاعل عباده مبصرين‏.‏

 الآية رقم ‏(‏97‏)‏

‏{‏قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين‏}‏

قوله تعالى‏{‏قل من كان عدوا لجبريل‏}‏ سبب نزولها أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنه ليس نبي من الأنبياء إلا يأتيه ملك من الملائكة من عند ربه بالرسالة وبالوحي، فمن صاحبك حتى نتابعك‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏جبريل‏)‏ قالوا‏:‏ ذاك الذي ينزل بالحرب وبالقتال، ذاك عدونا‏!‏ لو قلت‏:‏ ميكائيل الذي ينزل بالقطر وبالرحمة تابعناك، فأنزل الله الآية إلى قوله‏{‏للكافرين‏}‏‏"‏ أخرجه الترمذي‏.‏‏"‏

قوله تعالى‏{‏فإنه نزله على قلبك‏}‏ الضمير في ‏{‏إنه‏{‏ يحتمل معنيين، الأول‏:‏ فإن الله نزل جبريل على قلبك‏.‏ الثاني‏:‏ فإن جبريل نزل بالقرآن على قلبك‏.‏ وخص القلب بالذكر لأنه موضع العقل والعلم وتلقي المعارف‏.‏ ودلت الآية على شرف جبريل عليه السلام وذم معاديه‏.‏

قوله تعالى‏{‏بإذن الله‏{‏ أي بإرادته وعلمه‏.‏ ‏{‏مصدقا لما بين يديه‏{‏ يعني التوراة‏.‏ ‏{‏وهدى وبشرى للمؤمنين‏{‏ تقدم معناه والحمد لله‏.‏

 الآية رقم ‏(‏98‏)‏

‏{‏من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين‏}‏

قوله تعالى‏{‏من كان عدوا لله‏{‏ شرط، وجوابه ‏{‏فإن الله عدو للكافرين‏}‏ وهذا وعيد وذم لمعادي جبريل عليه السلام، وإعلان أن عداوة البعض تقتضي عداوة الله لهم‏.‏ وعداوة العبد لله هي معصيته واجتناب طاعته، ومعاداة أوليائه‏.‏ وعداوة الله للعبد تعذيبه وإظهار أثر العداوة عليه‏.‏

فإن قيل‏:‏ لم خص الله جبريل وميكائيل بالذكر وإن كان ذكر الملائكة قد عمهما‏؟‏

قيل له‏:‏ خصهما بالذكر تشريفا لهما، كما قال‏{‏فيهما فاكهة ونخل ورمان‏}‏الرحمن‏:‏ 68‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ خصا لأن اليهود ذكروهما، ونزلت الآية بسببهما، فذكرهما واجب لئلا تقول اليهود‏:‏ إنا لم نعاد الله وجميع ملائكته، فنص الله تعالى عليهما لإبطال ما يتأولونه من التخصيص‏.‏  ولعلماء اللسان في جبريل وميكائيل عليهما السلام لغات، فأما التي في جبريل فعشر‏:‏

الأولى‏:‏ جبريل، وهي لغة أهل الحجاز، قال حسان بن ثابت‏:‏

وجبريل رسول الله فينا

الثانية‏:‏ جبريل بفتح الجيم وهي قراءة الحسن وابن كثير، وروي عن ابن كثير أنه قال‏:‏ رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم وهو يقرأ جبريل وميكائيل فلا أزال أقرؤهما أبدا كذلك‏.‏

الثالثة‏:‏ جبرئيل بياء بعد الهمزة، مثال جبرعيل كما قرأ أهل الكوفة، وأنشدوا‏:‏

شهدنا فما تلقى لنا من كتيبة مدى الدهر إلا جبرئيل أمامها

وهي لغة تميم وقيس‏.‏

الرابعة‏:‏ جبرئل على وزن جبرعل مقصور، وهي قراءة أبي بكر عن عاصم‏.‏

الخامسة‏:‏ مثلها، وهي قراءة يحيى بن يعمر، إلا أنه شدد اللام‏.‏

السادسة‏:‏ جبرائل بألف بعد الراء ثم همزة وبها قرأ عكرمة‏.‏

السابعة‏:‏ مثلها، إلا أن بعد الهمزة ياء‏.‏

الثامنة‏:‏ جبرييل بياءين بغير همزة وبها قرأ الأعمش ويحيى بن يعمر أيضا‏.‏

التاسعة‏:‏ جبرئين بفتح الجيم مع همزة مكسورة بعدها ياء ونون

العاشرة‏:‏ جبرين بكسر الجيم وتسكين الباء بنون من غير همزة وهي لغة بني أسد‏.‏ قال الطبري‏:‏ ولم يقرأ بها‏.‏ قال النحاس - وذكر قراءة ابن كثير - لا يعرف في كلام العرب فَعليل، وفيه فِعليل، نحو دهليز وقطمير وبرطيل، وليس ينكر أن يكون في كلام العجم ما ليس له نظير في كلام العرب، وليس ينكر أن يكثر تغيره، كما قالوا‏:‏ إبراهيم وإبرهم وإبراهم وإبراهام‏{‏‏.‏ قال غيره‏:‏ جبريل اسم أعجمي عربته العرب، فلها فيه هذه اللغات ولذلك لم ينصرف‏.‏

قلت‏:‏ قد تقدم في أول الكتاب أن الصحيح في هذه الألفاظ عربية نزل بها جبريل بلسان عربي مبين‏.‏ قال النحاس‏:‏ ويجمع جبريل على التكسير جباريل‏. ‏ وأما اللغات التي في ميكائيل فست‏:‏

الأولى‏:‏ ميكاييل، قراءة نافع‏.‏

الثانية‏:‏ وميكائيل بياء بعد الهمزة قراءة حمزة‏.‏

الثالثة‏:‏ ميكال، لغة أهل الحجاز، وهي قراءة أبي عمرو وحفص عن عاصم‏.‏ وروي عن ابن كثير الثلاثة أوجه، قال كعب بن مالك‏:‏

ويوم بدر لقيناكم لنا مدد فيه مع النصر ميكال وجبريل

وقال آخر‏:‏

عبدوا الصليب وكذبوا بمحمد وبجبرئيل وكذبوا ميكالا

الرابعة‏:‏ ميكئيل، مثل ميكعيل، وهي قراءة ابن محيصن‏.‏

الخامسة‏:‏ ميكاييل بياءين وهي قراءة الأعمش باختلاف عنه‏.‏

السادسة‏:‏ ميكاءل، كما يقال لاإسراءل بهمزة مفتوحة وهو اسم أعجمي فلذلك لم ينصرف‏.‏ وذكر ابن عباس أن جبر وميكا وإسراف هي كلها بالأعجمية بمعنى‏:‏ عبد ومملوك‏.‏ وإيل‏:‏ اسم الله تعالى، ومنه قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين سمع سجع مسيلمة‏:‏ هذا كلام لم يخرج من إل، وفي التنزيل‏{‏لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة‏}‏ في أحد التأويلين، وسيأتي‏.‏ قال الماوردي‏:‏ إن جبريل وميكائيل اسمان، أحدهما عبدالله، والآخر عبيدالله، لأن إيل هو الله تعالى، وجبر هو عبد، وميكا هو عبيد، فكأن جبريل عبدالله، وميكائيل عبيدالله، هذا قول ابن عباس، وليس له في المفسرين مخالف‏.‏

قلت‏:‏ وزاد بعض المفسرين‏:‏ وإسرافيل عبدالرحمن‏.‏ قال النحاس‏:‏ ومن تأول الحديث ‏{‏جبر‏{‏ عبد، و‏{‏إل‏{‏ الله وجب عليه أن يقول‏:‏ هذا جبرئل ورأيت جبرئل ومررت بجبرئل، وهذا لا يقال، فوجب أن يكون معنى الحديث أنه مسمى بهذا‏.‏ قال غيره‏:‏ ولو كان كما قالوا لكان مصروفا، فترك الصرف يدل على أنه اسم واحد مفرد ليس بمضاف‏.‏ و‏"‏روى عبدالغني الحافظ من حديث أفلت بن خليفة‏"‏ - وهو فليت العامري وهو أبو حسان - عن جسرة بنت دجاجة عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏اللهم رب جبريل وميكايل وإسرافيل أعوذ بك من حر النار وعذاب القبر‏)‏

 الآية رقم ‏(‏99‏)‏

‏{‏ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون‏}‏

قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ هذا جواب لابن صوريا حيث قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل عليك من آية بينة فنتبعك بها‏؟‏ فأنزل الله هذه الآية، ذكره الطبري‏.‏